تصاعد التوتر بين البرازيل والأرجنتين إلى أبعاد حرجة مع سحب البرازيل للحماية الدبلوماسية من السفارة الأرجنتينية في كاراكاس. ما بدأ كقرار بروتوكولي تحول إلى مشكلة ذات أبعاد دولية تكشف عن تناقضات السياسة الخارجية الأرجنتينية وتوجهاتها الجيوسياسية في زمن التحول العالمي.
البرازيل تُعلن عن سحبها رسميًا: نهاية لحماية تاريخية
في 15 يناير الماضي، تحقق ما كان يبدو مستحيلاً قبل أسابيع قليلة. أبلغت البرازيل رسميًا عن قرارها بترك دور الدولة الحامية للمصالح الأرجنتينية في فنزويلا، وهو الدور الذي كانت تؤديه منذ قطع العلاقات بين الأرجنتين وحكومة نيكولاس مادورو منذ أكثر من عام.
لم يكن هذا الحماية الدبلوماسية مجرد إجراء بيروقراطي بسيط. كان يتطلب الحفاظ على وجود نشط في مبنى السفارة، وحماية ممتلكاتها، والعمل كوسيط رسمي أمام السلطات الفنزويلية، والأهم من ذلك، ضمان أن يظل الإقليم الأرجنتيني محميًا بحصانته الدبلوماسية المعترف بها دوليًا.
أبلغت الحكومة البرازيلية أنها ستمنح أسبوعًا لتنفيذ عملية السحب. واليوم، مع انتهاء هذا المهلة، تجد الأرجنتين نفسها في وضع غير مسبوق: بدون تمثيل دبلوماسي رسمي في كاراكاس وبدون دولة ثالثة معينة لتولي هذه المهمة الحيوية. وحتى إغلاق الاتصالات، لم تعلن وزارة الخارجية الأرجنتينية عن من سيخلف تلك المسؤوليات.
لماذا تركت البرازيل دورها؟ موقف ميليي كنقطة انطلاق للانفصال
لم يكن قرار لويز إيناسيو لولا دا سيلفا بالانسحاب عفويًا. وراء ذلك يوجد نزاع عميق حول كيفية التعامل مع الأزمة السياسية في فنزويلا، والأهم من ذلك، حول كيفية التموقع أمام واشنطن في ظل إعادة تشكيل القوة الإقليمية.
انتقدت البرازيل، إلى جانب المكسيك وكولومبيا وأوروغواي، علنًا العملية العسكرية التي انتهت باعتقال نيكولاس مادورو ونقله إلى الولايات المتحدة. واعتبروا أن هذه العملية تنتهك القانون الدولي وسيادة الدولة. بالمقابل، اتجهت الأرجنتين تمامًا نحو الموقف الأمريكي.
تعمقت هذه الاختلافات عندما حاولت كولومبيا دعوة وزراء خارجية دول الكوميسا لإصدار إدانة إقليمية موحدة. ووقفت الأرجنتين، إلى جانب دول مثل الإكوادور وبيرو التي تتبع مدار دونالد ترامب، في وجه هذا البيان المشترك. وتكرر الموقف نفسه لاحقًا في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة وفي المجلس الدائم لمنظمة الدول الأمريكية.
اعترفت Casa Rosada أن هذا “التحريف الدبلوماسي” كان حاسمًا في قرار البرازيل. ما تراه البرازيل كموقف أيديولوجي أرجنتيني يخدم مصالح أمريكية، تعتبره إدارة ميليي موقفًا براغماتيًا يتماشى مع القوة في تلك اللحظة.
الأرجنتين تواجه فراغًا اليوم: تداعيات هذا الانفصال
يُحدث سحب البرازيل فراغًا لم تكن الأرجنتين قد وضعته في الحسبان بشكل كامل. بدون حماية دبلوماسية، تظل السفارة في حالة قانونية غامضة. على الرغم من أنها تحتفظ بوضعها كإقليم أرجنتيني على الأراضي الفنزويلية، إلا أنها تفقد الدعم المؤسساتي الذي يضمن حماية أفرادها وممتلكاتها.
هذه الحالة حساسة بشكل خاص، لأن السفارة الأرجنتينية كانت تؤوي العديد من المعارضين الفنزويليين الذين لجأوا إليها، وكانوا يتعرضون للمضايقات من قبل قوات الأمن المحلية. وتنص اتفاقية اللجوء الدبلوماسي لعام 1954 على أن اللاجئين يجب أن يغادروا مع الطاقم الدبلوماسي أو يُسلّموا إلى تمثيل دولة ثالثة تضمن ضمانات مماثلة.
كانت الحكومة الأرجنتينية تعتمد على البرازيل لتلبية تلك المتطلبات. الآن، وبدون بديل واضح، تواجه dilemmas إنسانية وقانونية في آن واحد. ماذا يحدث للمُعَتَقلين إذا انسحبت البرازيل ولم تتوفر دولة أخرى لتحمل المسؤولية؟ كيف يتم ضمان حماية الطاقم الدبلوماسي الذي قد يبقى في النهاية؟ تظل هذه الأسئلة بلا إجابة رسمية.
إيطاليا في الأفق: البحث عن حل دبلوماسي
ليس من المصادفة أن توجهت أنظار Casa Rosada نحو إيطاليا كبديل محتمل للبرازيل في الحماية الدبلوماسية. برزت روما كلاعب استراتيجي في مفاوضات إطلاق سراح الأرجنتينيين المحتجزين في فنزويلا.
من بين الحالات التي حظيت باهتمام أكبر، قضية الشرطي ناهويل جالو، المحتجز منذ ديسمبر 2024 في سجن إل روديو. كما يظهر اسم المحامي غيرمان جولياني، الذي استعاد حريته مؤخرًا. وقبل أيام، أُطلق سراح يعقوب حاراري، مواطن يبلغ من العمر 72 عامًا ويحمل الجنسية الإسرائيلية-الأرجنتينية، والذي كان محتجزًا في نفس السجن.
كان السفير الإيطالي في كاراكاس نشطًا بشكل خاص في المطالبة بالإفراج عن المواطنين الإيطاليين، ونجح في قضيتين من قضاياهم هذا الأسبوع. ترى الحكومة الأرجنتينية في إيطاليا ليس فقط بلدًا قادرًا على حماية السفارة، بل قناة محتملة للجهود الإنسانية الحساسة.
كان الرمزية واضحة عندما استقبل الرئيس خافيير ميليي والوزير الخارجية بابلو كويرنو السفير الإيطالي الجديد في بوينس آيرس، فابريزيو نيكوليتّي، الذي قدم أوراق اعتماده في القاعة البيضاء. وعلى الرغم من أن Casa Rosada وصفت الوضع بأنه “دقيق” وتجنبوا تأكيدات صريحة، إلا أن الإشارة الدبلوماسية كانت واضحة.
ومع ذلك، حتى أمس بعد الظهر، لم تكن هناك تطورات رسمية. اختارت وزارة الخارجية الصمت الاستراتيجي. “في الوقت الحالي، لا يوجد الكثير لنقوله. نحن نمر بفترة تتسم بالمواضيع الحساسة والدقيقة”، كان الرد الرسمي على الاستفسارات. ولا تستبعد الحكومة ظهور حالات جديدة من المعتقلين الأرجنتينيين مع مرور الأيام، مما يزيد من الحاجة إلى إضفاء طابع رسمي على حماية بديلة.
المعتقلون في حالة غموض: الحاجة الإنسانية بعد سحب البرازيل
غياب حماية دبلوماسية نشطة يعقد بشكل كبير الإجراءات الإنسانية. بدون قناة تمثيل رسمية أمام الحكومة الفنزويلية، تفقد الأرجنتين القدرة على ممارسة الضغط المؤسساتي، والتفاوض على الإفراجات، ومراقبة ظروف احتجاز مواطنيها.
لا توجد حتى الآن أرقام رسمية حول العدد الإجمالي للأرجنتينيين المحتجزين في ظروف مماثلة لجالو. تشير غياب الشفافية إلى احتمال وجود حالات إضافية لم تُعلن بعد علنًا.
فقدان حماية البرازيل يزيد من تفاقم هذا المشهد بشكل كبير. بدون وسيط دبلوماسي معترف به أمام كاراكاس، يُترك المحتجزون بدون دعم مؤسسي فعال. يجب أن تتم العمليات المستقبلية عبر إيطاليا أو دولة أخرى، لكن ذلك يتطلب أولاً إضفاء الطابع الرسمي على تلك التمثيلية، وهو عملية تتطلب مفاوضات إضافية.
سابقة خطيرة: ما قد يعنيه إعادة فتح العلاقات مع فنزويلا
هناك مفارقة عميقة في الأفق. بينما تعيش الأرجنتين انهيار حماية دبلوماسية في كاراكاس، نفذ دونالد ترامب تحولًا غير متوقع: الاعتراف بـ ديلسي رودريغيز، خليفة نيكولاس مادورو، كرئيسة للدولة وكممثلة شرعية في المفاوضات السياسية.
منذ 2024، كانت الحكومة الأرجنتينية تعترف صراحةً بإدمندو غونزاليس أوروتيا كرئيس منتخب شرعي لفنزويلا. وبعد العملية العسكرية التي أوقفت مادورو، أكدته حتى على أنه “الرئيس الحقيقي”. لكن واشنطن غيرت استراتيجيتها، واضطرت الأرجنتين، كما هو الحال، لمواكبة هذا التحول.
استخدمت الحكومة الأرجنتينية حججًا مناسبة: تقول إن الانتخابات في الظروف الحالية غير قابلة للتنفيذ، وأن واشنطن لا تزال الحكم الوحيد الصحيح في السياسة الفنزويلية. وبهذا المنطق، بررت قبولها بتغيير الموقف.
هنا تكمن التناقضات الأساسية. إعادة فتح السفارة الأرجنتينية في كاراكاس ومحاولة استعادة العلاقات الدبلوماسية الرسمية مع فنزويلا تعني، في الواقع، الاعتراف بحكومة ديلسي رودريغيز كسلطة شرعية، رغم أن الخطاب السياسي يصر على العكس. والأرجنتين تسير الآن على هذا الطريق: بدون تمثيل رسمي، لكنها تسعى للحماية الدبلوماسية والجهود الإنسانية مع حكومة تعلن علنًا عدم اعترافها.
السياق التاريخي: كيف وصلت الأرجنتين إلى هذا المأزق
لفهم خطورة الوضع الحالي، من الضروري العودة إلى الوراء. كانت قطع العلاقات بين الأرجنتين وفنزويلا في عهد خافيير ميليي أكثر حدة من أي خطوة سابقة اتخذتها الإدارات المحافظة.
خلال حكم ماوريسيو ماكري، كانت هناك مواجهة واضحة مع chavismo واعتراف صريح بجوان جوايدو كرئيس مؤقت. لكن ماكري، على الرغم من موقفه السياسي، لم يقطع العلاقات الدبلوماسية رسميًا. كان السبب عمليًا: الحفاظ على سفارة برصيد بشري محدود (مسؤول أعمال من الدرجة الثانية) سمح بالحفاظ على قنوات الاتصال، وحماية المصالح الاقتصادية الأرجنتينية، وضمان التمثيل القنصلي للمواطنين الأرجنتينيين في فنزويلا.
أما ميليي، فخطا خطوة أبعد. وقطع العلاقات بشكل كامل ليتماشى تمامًا مع الموقف الأمريكي في ذلك الوقت. وعندما فعل ذلك، كانت لا تزال هناك مجموعات من المعارضين الفنزويليين المحتجزين في السفارة، يتعرضون للمضايقات من قبل قوات الأمن المحلية.
وفي ذلك الوقت، ظهرت الحاجة الملحة لإيجاد دولة مستعدة للحفاظ على الروابط السياسية مع ميرافلور، وضمان حماية اللاجئين، ومعالجة تصاريح السفر. الخيارات كانت محدودة: بشكل رئيسي البرازيل والمكسيك، الدول التي كانت تشهد توترات سياسية بالفعل.
وبجانب الأرجنتين، غادرت السفارات الدبلوماسية لكل من تشيلي، كوستاريكا، بيرو، بنما، جمهورية الدومينيكان وأوروغواي كاراكاس. ومع ذلك، حافظت الدول الأخرى على وجود أكبر أو قنوات أكثر نشاطًا. وكانت الأرجنتين الأكثر تطرفًا.
مع مرور الوقت، تمكن المعارضون المحتجزون من مغادرة المبنى عبر عمليات سرية، شارك فيها، وفقًا للتقارير، الولايات المتحدة. لكن الحماية الدبلوماسية بقيت، محتفظة بها البرازيل، كضمان لاستمرار وضعية السفارة الأرجنتينية القانونية.
نهاية دورة: إلى أين تتجه الأرجنتين
ما يحدث اليوم يمثل أدنى نقطة لوجود الأرجنتين الدبلوماسي في فنزويلا منذ عقود. بدون حماية، وبدون تمثيل نشط، وبدون قنوات تفاوض رسمية، تجد الأرجنتين نفسها معزولة على أرضية تتغير ديناميكياتها بواسطة واشنطن وفاعليها الإقليميين الحلفاء.
البحث عن إيطاليا كبديل هو مناورة ذكية، لكنه أيضًا مؤشر على ضعف الموقف الأرجنتيني. إيطاليا بلد أوروبي لا يمتلك النفوذ الإقليمي للبرازيل، ولا القدرة على ممارسة الضغط التي كانت تمتلكها الحماية البرازيلية.
ما يظهر هو نموذج دبلوماسي أرجنتيني خاضع لتقلبات الجيوسياسة الأمريكية، حيث تتراجع الاتساقية أمام المصلحة الفورية. ويترجم ثمن هذا التبعية اليوم في فقدان الحماية الدبلوماسية وعدم القدرة على حماية مواطنيها المحتجزين في فنزويلا بشكل فعال.
الأسبوع القادم سيحدد ما إذا كانت إيطاليا ستتولى الحماية، أو إذا ستواجه الأرجنتين أسابيع في فراغ دبلوماسي كامل. وأيًا كانت النتيجة، فإن الأزمة الحالية تترك درسًا واضحًا: التحالفات الجيوسياسية لها تكاليف تتجاوز التصريحات السياسية.
شاهد النسخة الأصلية
قد تحتوي هذه الصفحة على محتوى من جهات خارجية، يتم تقديمه لأغراض إعلامية فقط (وليس كإقرارات/ضمانات)، ولا ينبغي اعتباره موافقة على آرائه من قبل Gate، ولا بمثابة نصيحة مالية أو مهنية. انظر إلى إخلاء المسؤولية للحصول على التفاصيل.
أزمة دبلوماسية بين البرازيل والأرجنتين اليوم: السفارة في كاراكاس بدون حراسة
تصاعد التوتر بين البرازيل والأرجنتين إلى أبعاد حرجة مع سحب البرازيل للحماية الدبلوماسية من السفارة الأرجنتينية في كاراكاس. ما بدأ كقرار بروتوكولي تحول إلى مشكلة ذات أبعاد دولية تكشف عن تناقضات السياسة الخارجية الأرجنتينية وتوجهاتها الجيوسياسية في زمن التحول العالمي.
البرازيل تُعلن عن سحبها رسميًا: نهاية لحماية تاريخية
في 15 يناير الماضي، تحقق ما كان يبدو مستحيلاً قبل أسابيع قليلة. أبلغت البرازيل رسميًا عن قرارها بترك دور الدولة الحامية للمصالح الأرجنتينية في فنزويلا، وهو الدور الذي كانت تؤديه منذ قطع العلاقات بين الأرجنتين وحكومة نيكولاس مادورو منذ أكثر من عام.
لم يكن هذا الحماية الدبلوماسية مجرد إجراء بيروقراطي بسيط. كان يتطلب الحفاظ على وجود نشط في مبنى السفارة، وحماية ممتلكاتها، والعمل كوسيط رسمي أمام السلطات الفنزويلية، والأهم من ذلك، ضمان أن يظل الإقليم الأرجنتيني محميًا بحصانته الدبلوماسية المعترف بها دوليًا.
أبلغت الحكومة البرازيلية أنها ستمنح أسبوعًا لتنفيذ عملية السحب. واليوم، مع انتهاء هذا المهلة، تجد الأرجنتين نفسها في وضع غير مسبوق: بدون تمثيل دبلوماسي رسمي في كاراكاس وبدون دولة ثالثة معينة لتولي هذه المهمة الحيوية. وحتى إغلاق الاتصالات، لم تعلن وزارة الخارجية الأرجنتينية عن من سيخلف تلك المسؤوليات.
لماذا تركت البرازيل دورها؟ موقف ميليي كنقطة انطلاق للانفصال
لم يكن قرار لويز إيناسيو لولا دا سيلفا بالانسحاب عفويًا. وراء ذلك يوجد نزاع عميق حول كيفية التعامل مع الأزمة السياسية في فنزويلا، والأهم من ذلك، حول كيفية التموقع أمام واشنطن في ظل إعادة تشكيل القوة الإقليمية.
انتقدت البرازيل، إلى جانب المكسيك وكولومبيا وأوروغواي، علنًا العملية العسكرية التي انتهت باعتقال نيكولاس مادورو ونقله إلى الولايات المتحدة. واعتبروا أن هذه العملية تنتهك القانون الدولي وسيادة الدولة. بالمقابل، اتجهت الأرجنتين تمامًا نحو الموقف الأمريكي.
تعمقت هذه الاختلافات عندما حاولت كولومبيا دعوة وزراء خارجية دول الكوميسا لإصدار إدانة إقليمية موحدة. ووقفت الأرجنتين، إلى جانب دول مثل الإكوادور وبيرو التي تتبع مدار دونالد ترامب، في وجه هذا البيان المشترك. وتكرر الموقف نفسه لاحقًا في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة وفي المجلس الدائم لمنظمة الدول الأمريكية.
اعترفت Casa Rosada أن هذا “التحريف الدبلوماسي” كان حاسمًا في قرار البرازيل. ما تراه البرازيل كموقف أيديولوجي أرجنتيني يخدم مصالح أمريكية، تعتبره إدارة ميليي موقفًا براغماتيًا يتماشى مع القوة في تلك اللحظة.
الأرجنتين تواجه فراغًا اليوم: تداعيات هذا الانفصال
يُحدث سحب البرازيل فراغًا لم تكن الأرجنتين قد وضعته في الحسبان بشكل كامل. بدون حماية دبلوماسية، تظل السفارة في حالة قانونية غامضة. على الرغم من أنها تحتفظ بوضعها كإقليم أرجنتيني على الأراضي الفنزويلية، إلا أنها تفقد الدعم المؤسساتي الذي يضمن حماية أفرادها وممتلكاتها.
هذه الحالة حساسة بشكل خاص، لأن السفارة الأرجنتينية كانت تؤوي العديد من المعارضين الفنزويليين الذين لجأوا إليها، وكانوا يتعرضون للمضايقات من قبل قوات الأمن المحلية. وتنص اتفاقية اللجوء الدبلوماسي لعام 1954 على أن اللاجئين يجب أن يغادروا مع الطاقم الدبلوماسي أو يُسلّموا إلى تمثيل دولة ثالثة تضمن ضمانات مماثلة.
كانت الحكومة الأرجنتينية تعتمد على البرازيل لتلبية تلك المتطلبات. الآن، وبدون بديل واضح، تواجه dilemmas إنسانية وقانونية في آن واحد. ماذا يحدث للمُعَتَقلين إذا انسحبت البرازيل ولم تتوفر دولة أخرى لتحمل المسؤولية؟ كيف يتم ضمان حماية الطاقم الدبلوماسي الذي قد يبقى في النهاية؟ تظل هذه الأسئلة بلا إجابة رسمية.
إيطاليا في الأفق: البحث عن حل دبلوماسي
ليس من المصادفة أن توجهت أنظار Casa Rosada نحو إيطاليا كبديل محتمل للبرازيل في الحماية الدبلوماسية. برزت روما كلاعب استراتيجي في مفاوضات إطلاق سراح الأرجنتينيين المحتجزين في فنزويلا.
من بين الحالات التي حظيت باهتمام أكبر، قضية الشرطي ناهويل جالو، المحتجز منذ ديسمبر 2024 في سجن إل روديو. كما يظهر اسم المحامي غيرمان جولياني، الذي استعاد حريته مؤخرًا. وقبل أيام، أُطلق سراح يعقوب حاراري، مواطن يبلغ من العمر 72 عامًا ويحمل الجنسية الإسرائيلية-الأرجنتينية، والذي كان محتجزًا في نفس السجن.
كان السفير الإيطالي في كاراكاس نشطًا بشكل خاص في المطالبة بالإفراج عن المواطنين الإيطاليين، ونجح في قضيتين من قضاياهم هذا الأسبوع. ترى الحكومة الأرجنتينية في إيطاليا ليس فقط بلدًا قادرًا على حماية السفارة، بل قناة محتملة للجهود الإنسانية الحساسة.
كان الرمزية واضحة عندما استقبل الرئيس خافيير ميليي والوزير الخارجية بابلو كويرنو السفير الإيطالي الجديد في بوينس آيرس، فابريزيو نيكوليتّي، الذي قدم أوراق اعتماده في القاعة البيضاء. وعلى الرغم من أن Casa Rosada وصفت الوضع بأنه “دقيق” وتجنبوا تأكيدات صريحة، إلا أن الإشارة الدبلوماسية كانت واضحة.
ومع ذلك، حتى أمس بعد الظهر، لم تكن هناك تطورات رسمية. اختارت وزارة الخارجية الصمت الاستراتيجي. “في الوقت الحالي، لا يوجد الكثير لنقوله. نحن نمر بفترة تتسم بالمواضيع الحساسة والدقيقة”، كان الرد الرسمي على الاستفسارات. ولا تستبعد الحكومة ظهور حالات جديدة من المعتقلين الأرجنتينيين مع مرور الأيام، مما يزيد من الحاجة إلى إضفاء طابع رسمي على حماية بديلة.
المعتقلون في حالة غموض: الحاجة الإنسانية بعد سحب البرازيل
غياب حماية دبلوماسية نشطة يعقد بشكل كبير الإجراءات الإنسانية. بدون قناة تمثيل رسمية أمام الحكومة الفنزويلية، تفقد الأرجنتين القدرة على ممارسة الضغط المؤسساتي، والتفاوض على الإفراجات، ومراقبة ظروف احتجاز مواطنيها.
لا توجد حتى الآن أرقام رسمية حول العدد الإجمالي للأرجنتينيين المحتجزين في ظروف مماثلة لجالو. تشير غياب الشفافية إلى احتمال وجود حالات إضافية لم تُعلن بعد علنًا.
فقدان حماية البرازيل يزيد من تفاقم هذا المشهد بشكل كبير. بدون وسيط دبلوماسي معترف به أمام كاراكاس، يُترك المحتجزون بدون دعم مؤسسي فعال. يجب أن تتم العمليات المستقبلية عبر إيطاليا أو دولة أخرى، لكن ذلك يتطلب أولاً إضفاء الطابع الرسمي على تلك التمثيلية، وهو عملية تتطلب مفاوضات إضافية.
سابقة خطيرة: ما قد يعنيه إعادة فتح العلاقات مع فنزويلا
هناك مفارقة عميقة في الأفق. بينما تعيش الأرجنتين انهيار حماية دبلوماسية في كاراكاس، نفذ دونالد ترامب تحولًا غير متوقع: الاعتراف بـ ديلسي رودريغيز، خليفة نيكولاس مادورو، كرئيسة للدولة وكممثلة شرعية في المفاوضات السياسية.
منذ 2024، كانت الحكومة الأرجنتينية تعترف صراحةً بإدمندو غونزاليس أوروتيا كرئيس منتخب شرعي لفنزويلا. وبعد العملية العسكرية التي أوقفت مادورو، أكدته حتى على أنه “الرئيس الحقيقي”. لكن واشنطن غيرت استراتيجيتها، واضطرت الأرجنتين، كما هو الحال، لمواكبة هذا التحول.
استخدمت الحكومة الأرجنتينية حججًا مناسبة: تقول إن الانتخابات في الظروف الحالية غير قابلة للتنفيذ، وأن واشنطن لا تزال الحكم الوحيد الصحيح في السياسة الفنزويلية. وبهذا المنطق، بررت قبولها بتغيير الموقف.
هنا تكمن التناقضات الأساسية. إعادة فتح السفارة الأرجنتينية في كاراكاس ومحاولة استعادة العلاقات الدبلوماسية الرسمية مع فنزويلا تعني، في الواقع، الاعتراف بحكومة ديلسي رودريغيز كسلطة شرعية، رغم أن الخطاب السياسي يصر على العكس. والأرجنتين تسير الآن على هذا الطريق: بدون تمثيل رسمي، لكنها تسعى للحماية الدبلوماسية والجهود الإنسانية مع حكومة تعلن علنًا عدم اعترافها.
السياق التاريخي: كيف وصلت الأرجنتين إلى هذا المأزق
لفهم خطورة الوضع الحالي، من الضروري العودة إلى الوراء. كانت قطع العلاقات بين الأرجنتين وفنزويلا في عهد خافيير ميليي أكثر حدة من أي خطوة سابقة اتخذتها الإدارات المحافظة.
خلال حكم ماوريسيو ماكري، كانت هناك مواجهة واضحة مع chavismo واعتراف صريح بجوان جوايدو كرئيس مؤقت. لكن ماكري، على الرغم من موقفه السياسي، لم يقطع العلاقات الدبلوماسية رسميًا. كان السبب عمليًا: الحفاظ على سفارة برصيد بشري محدود (مسؤول أعمال من الدرجة الثانية) سمح بالحفاظ على قنوات الاتصال، وحماية المصالح الاقتصادية الأرجنتينية، وضمان التمثيل القنصلي للمواطنين الأرجنتينيين في فنزويلا.
أما ميليي، فخطا خطوة أبعد. وقطع العلاقات بشكل كامل ليتماشى تمامًا مع الموقف الأمريكي في ذلك الوقت. وعندما فعل ذلك، كانت لا تزال هناك مجموعات من المعارضين الفنزويليين المحتجزين في السفارة، يتعرضون للمضايقات من قبل قوات الأمن المحلية.
وفي ذلك الوقت، ظهرت الحاجة الملحة لإيجاد دولة مستعدة للحفاظ على الروابط السياسية مع ميرافلور، وضمان حماية اللاجئين، ومعالجة تصاريح السفر. الخيارات كانت محدودة: بشكل رئيسي البرازيل والمكسيك، الدول التي كانت تشهد توترات سياسية بالفعل.
وبجانب الأرجنتين، غادرت السفارات الدبلوماسية لكل من تشيلي، كوستاريكا، بيرو، بنما، جمهورية الدومينيكان وأوروغواي كاراكاس. ومع ذلك، حافظت الدول الأخرى على وجود أكبر أو قنوات أكثر نشاطًا. وكانت الأرجنتين الأكثر تطرفًا.
مع مرور الوقت، تمكن المعارضون المحتجزون من مغادرة المبنى عبر عمليات سرية، شارك فيها، وفقًا للتقارير، الولايات المتحدة. لكن الحماية الدبلوماسية بقيت، محتفظة بها البرازيل، كضمان لاستمرار وضعية السفارة الأرجنتينية القانونية.
نهاية دورة: إلى أين تتجه الأرجنتين
ما يحدث اليوم يمثل أدنى نقطة لوجود الأرجنتين الدبلوماسي في فنزويلا منذ عقود. بدون حماية، وبدون تمثيل نشط، وبدون قنوات تفاوض رسمية، تجد الأرجنتين نفسها معزولة على أرضية تتغير ديناميكياتها بواسطة واشنطن وفاعليها الإقليميين الحلفاء.
البحث عن إيطاليا كبديل هو مناورة ذكية، لكنه أيضًا مؤشر على ضعف الموقف الأرجنتيني. إيطاليا بلد أوروبي لا يمتلك النفوذ الإقليمي للبرازيل، ولا القدرة على ممارسة الضغط التي كانت تمتلكها الحماية البرازيلية.
ما يظهر هو نموذج دبلوماسي أرجنتيني خاضع لتقلبات الجيوسياسة الأمريكية، حيث تتراجع الاتساقية أمام المصلحة الفورية. ويترجم ثمن هذا التبعية اليوم في فقدان الحماية الدبلوماسية وعدم القدرة على حماية مواطنيها المحتجزين في فنزويلا بشكل فعال.
الأسبوع القادم سيحدد ما إذا كانت إيطاليا ستتولى الحماية، أو إذا ستواجه الأرجنتين أسابيع في فراغ دبلوماسي كامل. وأيًا كانت النتيجة، فإن الأزمة الحالية تترك درسًا واضحًا: التحالفات الجيوسياسية لها تكاليف تتجاوز التصريحات السياسية.