أولاً، التحديث الشامل والتحديد الدقيق: سد جميع مسارات المخاطر النظامية
يعرض هذا «الإشعار» أولاً توسعاً استراتيجياً في نطاق الرقابة وتعزيزاً غير مسبوق في قوة التحديد. وأبرز سماته هو إدراج «توكنة الأصول الواقعية» (RWA) بوضوح ضمن جوهر التنظيم، ووضعها تحت نفس مستوى التدقيق الصارم كما هو الحال مع العملات الافتراضية. هذه الخطوة ذات رؤية مستقبلية ودلالة حاسمة. تعتبر RWA، كاتجاه عالمي في التكنولوجيا المالية يتمثل في تحويل الأصول التقليدية (مثل السندات، حقوق عوائد العقارات، السلع الكبرى، وغيرها) إلى تمثيل رقمي وتداول عبر البلوكشين، تطوراً في تقنية إصدار الأوراق المالية للأصول. وإذا تُركت دون رقابة، فمن المحتمل أن تتطور إلى قناة سرية تتجاوز عمليات إصدار الأوراق المالية الحالية، والإفصاح عن المعلومات، وإدارة ملاءمة المستثمرين، مما يفتح المجال لمشاكل أكثر تعقيداً مثل جمع الأموال غير المشروعة، الاحتيال، وانتشار المخاطر المالية المتداخلة. وأوضح «الإشعار» أن القيام بأنشطة RWA غير المرخصة داخل البلاد، مثل بيع التوكنات بشكل غير قانوني، إصدار الأوراق المالية بشكل علني بدون ترخيص، أو إدارة أعمال العقود الآجلة بشكل غير قانوني، يُعد نشاطاً مالياً غير قانوني. هذا التحديد يُغلق تماماً أي أمل في ممارسات «التحايل على التنظيم» تحت غطاء «الابتكار التقني»، ويؤكد مبدأاً لا يتزعزع: «مهما تغيرت الأشكال التقنية، يجب أن تكون الأنشطة المالية مرخصة وتخضع للرقابة».
وفي الوقت ذاته، فإن «الإشعار» أكثر حسمًا وصرامة في تحديد المخاطر القائمة. فهو يعيد تأكيد أن العملات الافتراضية مثل البيتكوين ليست عملات نقدية، ويبتكر بشكل إبداعي تصنيف «العملات المستقرة المرتبطة بالعملة الرسمية» على أنها «تؤدي بشكل غير مباشر بعض وظائف العملة الرسمية»، ويمنع بشكل صارم إصدار أي عملات مستقرة مربوطة بالرنمينبي بدون ترخيص. هذه المادة ذات رؤية استراتيجية، تهدف إلى التصدي من المصدر لأي تهديدات قد تضعف سيادة الرنمينبي، أو تبني نظام تسوية موازٍ في الفضاء الرقمي. من خلال تصنيف أنشطة العملات الافتراضية (بما في ذلك التحويل، السوق، الوساطة المعلوماتية، التداول بالمشتقات، وغيرها) على أنها «أنشطة مالية غير قانونية»، وإلغاء الإشعار القديم لعام 2021، يرسل التنظيم رسالة حاسمة بعدم التسامح مع أي مخاطر متراكمة، وعدم ترك أي مناطق غامضة.
ثانياً، بناء جدار حماية شامل من خلال سلسلة كاملة من الرقابة الشفافة: من التمويل إلى المعلومات
إذا كانت التحديدات تعبر عن إعلان الموقف، فإن إطار تنفيذ الرقابة الذي يبنيه «الإشعار» يعكس قدرة منهجية قوية على تحويل الموقف إلى واقع ملموس. فهو يضع شبكة رقابة شاملة تغطي «تدفقات الأموال، وتدفقات المعلومات، وتدفقات التقنية»، بهدف عزل المخاطر ماديًا.
على مستوى تدفقات الأموال، وصلت متطلبات الرقابة إلى مستوى غير مسبوق من الصرامة. يُحظر تمامًا على جميع المؤسسات المالية وغير المصرفية تقديم أي خدمات ذات صلة، بدءًا من فتح الحسابات، وتحويل الأموال، والتسوية، إلى إصدار المنتجات، وإدراجها كضمان، وممارسة أعمال التأمين، مما يُغلق تمامًا قنوات التمويل. هذا بمثابة قطع الحبل السري بين مجال الأصول الرقمية والنظام المالي الرئيسي، مما يمنع دخول السيولة القانونية والدعم الائتماني.
وفي جانب تدفقات المعلومات والتسويق، تتضافر الجهود عبر الإنترنت وخارجها. على الإنترنت، يُمنع بشدة تقديم الشركات التقنية للمساحات الإلكترونية، والعروض التجارية، والترويج، وتحويل الزوار مقابل رسوم، ويُطلب منها الإبلاغ عن أي أدلة وتقديم المساعدة التقنية. وعلى المستوى الميداني، تفرض الجهات الرقابية على الشركات من خلال اسمها التجاري ونطاق عملها الامتناع عن استخدام كلمات مثل «عملات افتراضية»، و«RWA»، وتعزز الرقابة على الإعلانات. تهدف هذه الإجراءات إلى تقليل «رؤية» الأصول الرقمية و«إيحاء الشرعية» في المجال العام، وتقليل الرغبة في المضاربة والمشاركة من خلال وعي المجتمع، وهو نوع من الحماية من المخاطر على مستوى النفسية الاجتماعية.
وفي المستوى التقني المادي، يستمر تصعيد جهود تنظيم أنشطة «التعدين» للعملات الافتراضية، مع تحديد مسؤولية الحكومات المحلية، ومنع المشاريع الجديدة، وتنظيف المخزون. والأهم من ذلك، أن السياسة أدخلت بشكل مبتكر بند «حظر الخدمات الخارجية»، الذي يوضح أن «الوحدات والأشخاص الأجانب لا يجوز لهم بأي شكل من الأشكال تقديم خدمات متعلقة بالعملات الافتراضية بشكل غير قانوني للكيانات داخل البلاد»، مع تحميل المسؤولية على المساعدين المحليين. هذا البند ذو النفاذ الخارجي، مع الرقابة الصارمة على قنوات الدفع العابرة للحدود، يخلق بشكل فعلي حدودًا رقمية مالية على مستوى العالم، ويشكل رادعًا قانونيًا قويًا لأي بورصات خارجية أو بروتوكولات DeFi تحاول خدمة المستخدمين الصينيين.
ثالثاً، فتح «باب ضيق» للامتثال: استراتيجية إرشادات لجنة الأوراق المالية
وفي حين يبني «الإشعار» جدارًا محكمًا، فإن «إرشادات» لجنة الأوراق المالية تصمم وتفتح «بابًا» محدودًا لكنه ذو معنى عميق. هذا الباب يؤدي إلى وجهة محددة: السماح بإصدار توكنات الأوراق المالية المدعومة بأصول داخلية أو تدفقات نقدية، عبر إصدار أوراق مالية مدعومة بأصول (ABS) في الخارج.
وهذا ليس تهاونًا مع المضاربة على العملات الافتراضية، بل هو توجيه دقيق وذكي، يعكس اعتبارات استراتيجية عالية. أولاً، يقتصر نموذج العمل بشكل صارم: يجب أن تكون الأصول الأساسية أصولًا داخلية ذات تدفقات نقدية مستقرة أو حقوق عوائدها (مثل رسوم البنية التحتية، حسابات القبض التجارية، أصول التأجير)، ويجب أن تكون التوكنات الصادرة متوافقة مع المنطق المالي، ويجب أن يكون السوق والمستثمرون في الخارج فقط. يضمن هذا أن النشاط المبتكر مرتبط بشكل وثيق بالاقتصاد الحقيقي، ويخدم احتياجات التمويل عبر الحدود للشركات، ويعزل تمامًا السوق الاستهلاكية المحلية من المضاربة.
ثانيًا، فإن طريقة الرقابة صارمة جدًا: تعتمد على «تقديم طلب مسبق للهيئة» بدلاً من مجرد تقرير لاحق. يتعين على الجهات الراغبة تقديم جميع مستندات الإصدار الخارجية، والخضوع لفحص شامل لسلامة الأصول، وملاءمة هيكل المعاملة، وفعالية عزل المخاطر. هذا التدخل الرقابي المبكر والأعمق يعكس مبدأ «نفس النشاط، ونفس المخاطر، ونفس القواعد»، ويضمن أن لا تتجاوز الابتكارات حدود الرقابة.
هذه «الباب الضيق» يحمل ثلاثة أهداف استراتيجية على الأقل: الأول، خدمة التمويل الحقيقي: فتح قناة تجريبية للشركات الداخلية ذات الجودة العالية لاستخدام تقنية البلوكشين لتحسين كفاءة إصدار الأوراق المالية عبر الحدود، وتقليل التكاليف، وهو تجسيد مباشر لتمكين التكنولوجيا المالية للاقتصاد الحقيقي. الثاني، جمع خبرات ورؤى تنظيمية وموارد بشرية: في «صندوق رملي» خارجي يمكن السيطرة عليه، يمكن للجهات التنظيمية، والمؤسسات المالية، والوسطاء القانونيين مراقبة وفهم وإدارة عملية توكن الأصول عن كثب، مما يهيئ بيئة مناسبة لمزيد من التحول الرقمي المالي على نطاق أوسع، ويعزز الخبرة المهنية. الثالث، المشاركة في صياغة القواعد الدولية: من خلال التنظيم العملي والمبادرة، تكتسب الصين نفوذًا في مجال توكن الأصول، وتجنب أن تكون في موقف المتلقي، وهو أمر حاسم في المنافسة المالية الدولية.
رابعاً، ظهور «نظام مزدوج» وافتراق التنظيم العالمي
تأثير «الإشعار» و«الإرشادات» معًا سيشكل بشكل عميق مستقبل النظام المالي الرقمي في الصين، وربما يسرع من تباين الأنماط التنظيمية على مستوى العالم.
داخل الصين، تتضح ملامح «نظام مزدوج» واضح للبيئة الرقمية المالية. المسار الأول هو «مسار التجربة المغلقة تمامًا للمستثمرين الأفراد»: حيث يُحظر بشكل دائم وشامل أي نشاط متعلق بالعملات المشفرة، والتداول، والتمويل، والمشتقات، المرتبط بالمستثمرين المحليين، مما يخلق منطقة آمنة معزولة عن النظام البيئي المشفر الذي تهيمن عليه الشبكات العامة. المسار الثاني هو «مسار محدود ومفتوح للمؤسسات والتمويل عبر الحدود»: حيث يُشجع ويُطوّر تطبيقات تعتمد على شبكات التحالف أو الشبكات المصرح بها، بهدف خدمة الاقتصاد الحقيقي وتدفقات رأس المال العابرة للحدود. ويُعد تطوير العملة الرقمية الصينية (e-CNY)، والبنية التحتية للبلوكشين الخاصة بتسجيل، وتداول، وتسوية الأصول المالية، الركيزة الأساسية لهذا المسار. وتقتصر ابتكارات RWA على المسار الثاني، وفقًا للمسار الذي تحدده «الإرشادات».
من منظور عالمي، يختلف مسار التنظيم في الصين عن مسارات الدول الكبرى مثل الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، التي تسعى إلى دمج الأصول المشفرة ضمن الأطر التنظيمية الحالية للأوراق المالية أو السلع. اختارت الصين نموذج «السيادة أولاً، وعزل المخاطر، والتجربة التجريبية»، وهو نهج فريد يهدف إلى حماية الاستقرار المالي، والسيادة النقدية، وأمن البيانات، والسيطرة على التدفقات العابرة للحدود. هذا الاختيار يعني أن سوق الأصول الرقمية قد يتجزأ أكثر، مع وجود معايير تقنية، وفئات أصول، وهياكل مستثمرين مختلفة بين المناطق. خيار الصين يوفر نموذجًا تنظيميًا بديلًا للدول النامية التي تركز على السيادة المالية والرقابة.
خامساً، التأثيرات العميقة والتطلعات المستقبلية: إعادة تعريف الخطوط الحمراء والمسارات
ختامًا، فإن مجموعة السياسات التي أُصدرت في بداية 2026 لها تأثيرات عميقة ومعقدة. بالنسبة للمشاركين في السوق، فهي بمثابة إشارة «نهائية للتصفية». لم يعد هناك مجال لأي أنشطة تجارية مرتبطة بالعملات الافتراضية أو الأصول الرقمية غير المرخصة، ويواجه الأفراد المشاركون مخاطر قانونية وممتلكات عالية. لم تعد هناك فرصة لسياسة «العودة إلى التيسير». الفرصة الحقيقية تكمن في مسار واحد: التخلي تمامًا عن التفكير المضارب القصير الأمد، وفهم الأهداف الاستراتيجية الوطنية، والعمل على الابتكار التكنولوجي والنماذج بشكل طويل الأمد، مع التركيز على خدمة الاقتصاد الحقيقي، والامتثال لسياسات إدارة رأس المال العابرة للحدود، والاستناد إلى مسارات تقنية معتمدة رسميًا.
على المستوى الاستراتيجي الوطني، يُعد هذا النهج بمثابة «تطهير» استباقي للبنية التحتية المالية، و«تأسيس» لأسس قوية. فهو يزيل بشكل غير مسبوق الأعشاب الضارة التي قد تعيق استقرار النظام المالي، وتضر بسيادة العملة، وتثير مخاطر اجتماعية، ويهيئ الأرضية لـ«زرع» بنية تحتية مالية رقمية مستقلة وموثوقة. وأشدّ القرارات حظرًا غالبًا ما تكون مؤشرًا على استعداد دقيق. من المتوقع أن تركز جهود الصين المستقبلية في مجال التمويل عبر البلوكشين على مجالات مثل العملة الرقمية للبنك المركزي، ومنصات التمويل التجاري، والمعاملات الرقمية للأصول، بقيادة «الفرق الوطنية».
وفي النهاية، فإن هذه السياسات تعيد رسم الخطوط الحمراء التي لا يمكن تجاوزها في المنافسة المالية العالمية، وهي أمن الدولة، واستقرار النظام المالي، وسلامة أموال الشعب؛ كما تحدد مسارات يمكن استكشافها، وهي أن التقنية يجب أن تمكّن الاقتصاد الحقيقي، وأن الابتكار يجب أن يخضع للرقابة، وأن التنمية يجب أن تخدم الاستراتيجية. وتعلن أن الصين ستشكل مستقبلها المالي الرقمي وفقًا لوتيرتها ومنطقها الخاص، وأن هذا النموذج الجديد ليس مجرد ترقية تنظيمية، بل هو قرار استراتيجي عميق، ستستمر آثاره في الظهور لعقود قادمة.
قد تحتوي هذه الصفحة على محتوى من جهات خارجية، يتم تقديمه لأغراض إعلامية فقط (وليس كإقرارات/ضمانات)، ولا ينبغي اعتباره موافقة على آرائه من قبل Gate، ولا بمثابة نصيحة مالية أو مهنية. انظر إلى إخلاء المسؤولية للحصول على التفاصيل.
التفسير العميق لتوجيهات تنظيم الأصول الافتراضية الأحدث في الصين: إعادة تشكيل النموذج والاستراتيجية في ظل "المنع والتسهيل"
أولاً، التحديث الشامل والتحديد الدقيق: سد جميع مسارات المخاطر النظامية
يعرض هذا «الإشعار» أولاً توسعاً استراتيجياً في نطاق الرقابة وتعزيزاً غير مسبوق في قوة التحديد. وأبرز سماته هو إدراج «توكنة الأصول الواقعية» (RWA) بوضوح ضمن جوهر التنظيم، ووضعها تحت نفس مستوى التدقيق الصارم كما هو الحال مع العملات الافتراضية. هذه الخطوة ذات رؤية مستقبلية ودلالة حاسمة. تعتبر RWA، كاتجاه عالمي في التكنولوجيا المالية يتمثل في تحويل الأصول التقليدية (مثل السندات، حقوق عوائد العقارات، السلع الكبرى، وغيرها) إلى تمثيل رقمي وتداول عبر البلوكشين، تطوراً في تقنية إصدار الأوراق المالية للأصول. وإذا تُركت دون رقابة، فمن المحتمل أن تتطور إلى قناة سرية تتجاوز عمليات إصدار الأوراق المالية الحالية، والإفصاح عن المعلومات، وإدارة ملاءمة المستثمرين، مما يفتح المجال لمشاكل أكثر تعقيداً مثل جمع الأموال غير المشروعة، الاحتيال، وانتشار المخاطر المالية المتداخلة. وأوضح «الإشعار» أن القيام بأنشطة RWA غير المرخصة داخل البلاد، مثل بيع التوكنات بشكل غير قانوني، إصدار الأوراق المالية بشكل علني بدون ترخيص، أو إدارة أعمال العقود الآجلة بشكل غير قانوني، يُعد نشاطاً مالياً غير قانوني. هذا التحديد يُغلق تماماً أي أمل في ممارسات «التحايل على التنظيم» تحت غطاء «الابتكار التقني»، ويؤكد مبدأاً لا يتزعزع: «مهما تغيرت الأشكال التقنية، يجب أن تكون الأنشطة المالية مرخصة وتخضع للرقابة».
وفي الوقت ذاته، فإن «الإشعار» أكثر حسمًا وصرامة في تحديد المخاطر القائمة. فهو يعيد تأكيد أن العملات الافتراضية مثل البيتكوين ليست عملات نقدية، ويبتكر بشكل إبداعي تصنيف «العملات المستقرة المرتبطة بالعملة الرسمية» على أنها «تؤدي بشكل غير مباشر بعض وظائف العملة الرسمية»، ويمنع بشكل صارم إصدار أي عملات مستقرة مربوطة بالرنمينبي بدون ترخيص. هذه المادة ذات رؤية استراتيجية، تهدف إلى التصدي من المصدر لأي تهديدات قد تضعف سيادة الرنمينبي، أو تبني نظام تسوية موازٍ في الفضاء الرقمي. من خلال تصنيف أنشطة العملات الافتراضية (بما في ذلك التحويل، السوق، الوساطة المعلوماتية، التداول بالمشتقات، وغيرها) على أنها «أنشطة مالية غير قانونية»، وإلغاء الإشعار القديم لعام 2021، يرسل التنظيم رسالة حاسمة بعدم التسامح مع أي مخاطر متراكمة، وعدم ترك أي مناطق غامضة.
ثانياً، بناء جدار حماية شامل من خلال سلسلة كاملة من الرقابة الشفافة: من التمويل إلى المعلومات
إذا كانت التحديدات تعبر عن إعلان الموقف، فإن إطار تنفيذ الرقابة الذي يبنيه «الإشعار» يعكس قدرة منهجية قوية على تحويل الموقف إلى واقع ملموس. فهو يضع شبكة رقابة شاملة تغطي «تدفقات الأموال، وتدفقات المعلومات، وتدفقات التقنية»، بهدف عزل المخاطر ماديًا.
على مستوى تدفقات الأموال، وصلت متطلبات الرقابة إلى مستوى غير مسبوق من الصرامة. يُحظر تمامًا على جميع المؤسسات المالية وغير المصرفية تقديم أي خدمات ذات صلة، بدءًا من فتح الحسابات، وتحويل الأموال، والتسوية، إلى إصدار المنتجات، وإدراجها كضمان، وممارسة أعمال التأمين، مما يُغلق تمامًا قنوات التمويل. هذا بمثابة قطع الحبل السري بين مجال الأصول الرقمية والنظام المالي الرئيسي، مما يمنع دخول السيولة القانونية والدعم الائتماني.
وفي جانب تدفقات المعلومات والتسويق، تتضافر الجهود عبر الإنترنت وخارجها. على الإنترنت، يُمنع بشدة تقديم الشركات التقنية للمساحات الإلكترونية، والعروض التجارية، والترويج، وتحويل الزوار مقابل رسوم، ويُطلب منها الإبلاغ عن أي أدلة وتقديم المساعدة التقنية. وعلى المستوى الميداني، تفرض الجهات الرقابية على الشركات من خلال اسمها التجاري ونطاق عملها الامتناع عن استخدام كلمات مثل «عملات افتراضية»، و«RWA»، وتعزز الرقابة على الإعلانات. تهدف هذه الإجراءات إلى تقليل «رؤية» الأصول الرقمية و«إيحاء الشرعية» في المجال العام، وتقليل الرغبة في المضاربة والمشاركة من خلال وعي المجتمع، وهو نوع من الحماية من المخاطر على مستوى النفسية الاجتماعية.
وفي المستوى التقني المادي، يستمر تصعيد جهود تنظيم أنشطة «التعدين» للعملات الافتراضية، مع تحديد مسؤولية الحكومات المحلية، ومنع المشاريع الجديدة، وتنظيف المخزون. والأهم من ذلك، أن السياسة أدخلت بشكل مبتكر بند «حظر الخدمات الخارجية»، الذي يوضح أن «الوحدات والأشخاص الأجانب لا يجوز لهم بأي شكل من الأشكال تقديم خدمات متعلقة بالعملات الافتراضية بشكل غير قانوني للكيانات داخل البلاد»، مع تحميل المسؤولية على المساعدين المحليين. هذا البند ذو النفاذ الخارجي، مع الرقابة الصارمة على قنوات الدفع العابرة للحدود، يخلق بشكل فعلي حدودًا رقمية مالية على مستوى العالم، ويشكل رادعًا قانونيًا قويًا لأي بورصات خارجية أو بروتوكولات DeFi تحاول خدمة المستخدمين الصينيين.
ثالثاً، فتح «باب ضيق» للامتثال: استراتيجية إرشادات لجنة الأوراق المالية
وفي حين يبني «الإشعار» جدارًا محكمًا، فإن «إرشادات» لجنة الأوراق المالية تصمم وتفتح «بابًا» محدودًا لكنه ذو معنى عميق. هذا الباب يؤدي إلى وجهة محددة: السماح بإصدار توكنات الأوراق المالية المدعومة بأصول داخلية أو تدفقات نقدية، عبر إصدار أوراق مالية مدعومة بأصول (ABS) في الخارج.
وهذا ليس تهاونًا مع المضاربة على العملات الافتراضية، بل هو توجيه دقيق وذكي، يعكس اعتبارات استراتيجية عالية. أولاً، يقتصر نموذج العمل بشكل صارم: يجب أن تكون الأصول الأساسية أصولًا داخلية ذات تدفقات نقدية مستقرة أو حقوق عوائدها (مثل رسوم البنية التحتية، حسابات القبض التجارية، أصول التأجير)، ويجب أن تكون التوكنات الصادرة متوافقة مع المنطق المالي، ويجب أن يكون السوق والمستثمرون في الخارج فقط. يضمن هذا أن النشاط المبتكر مرتبط بشكل وثيق بالاقتصاد الحقيقي، ويخدم احتياجات التمويل عبر الحدود للشركات، ويعزل تمامًا السوق الاستهلاكية المحلية من المضاربة.
ثانيًا، فإن طريقة الرقابة صارمة جدًا: تعتمد على «تقديم طلب مسبق للهيئة» بدلاً من مجرد تقرير لاحق. يتعين على الجهات الراغبة تقديم جميع مستندات الإصدار الخارجية، والخضوع لفحص شامل لسلامة الأصول، وملاءمة هيكل المعاملة، وفعالية عزل المخاطر. هذا التدخل الرقابي المبكر والأعمق يعكس مبدأ «نفس النشاط، ونفس المخاطر، ونفس القواعد»، ويضمن أن لا تتجاوز الابتكارات حدود الرقابة.
هذه «الباب الضيق» يحمل ثلاثة أهداف استراتيجية على الأقل: الأول، خدمة التمويل الحقيقي: فتح قناة تجريبية للشركات الداخلية ذات الجودة العالية لاستخدام تقنية البلوكشين لتحسين كفاءة إصدار الأوراق المالية عبر الحدود، وتقليل التكاليف، وهو تجسيد مباشر لتمكين التكنولوجيا المالية للاقتصاد الحقيقي. الثاني، جمع خبرات ورؤى تنظيمية وموارد بشرية: في «صندوق رملي» خارجي يمكن السيطرة عليه، يمكن للجهات التنظيمية، والمؤسسات المالية، والوسطاء القانونيين مراقبة وفهم وإدارة عملية توكن الأصول عن كثب، مما يهيئ بيئة مناسبة لمزيد من التحول الرقمي المالي على نطاق أوسع، ويعزز الخبرة المهنية. الثالث، المشاركة في صياغة القواعد الدولية: من خلال التنظيم العملي والمبادرة، تكتسب الصين نفوذًا في مجال توكن الأصول، وتجنب أن تكون في موقف المتلقي، وهو أمر حاسم في المنافسة المالية الدولية.
رابعاً، ظهور «نظام مزدوج» وافتراق التنظيم العالمي
تأثير «الإشعار» و«الإرشادات» معًا سيشكل بشكل عميق مستقبل النظام المالي الرقمي في الصين، وربما يسرع من تباين الأنماط التنظيمية على مستوى العالم.
داخل الصين، تتضح ملامح «نظام مزدوج» واضح للبيئة الرقمية المالية. المسار الأول هو «مسار التجربة المغلقة تمامًا للمستثمرين الأفراد»: حيث يُحظر بشكل دائم وشامل أي نشاط متعلق بالعملات المشفرة، والتداول، والتمويل، والمشتقات، المرتبط بالمستثمرين المحليين، مما يخلق منطقة آمنة معزولة عن النظام البيئي المشفر الذي تهيمن عليه الشبكات العامة. المسار الثاني هو «مسار محدود ومفتوح للمؤسسات والتمويل عبر الحدود»: حيث يُشجع ويُطوّر تطبيقات تعتمد على شبكات التحالف أو الشبكات المصرح بها، بهدف خدمة الاقتصاد الحقيقي وتدفقات رأس المال العابرة للحدود. ويُعد تطوير العملة الرقمية الصينية (e-CNY)، والبنية التحتية للبلوكشين الخاصة بتسجيل، وتداول، وتسوية الأصول المالية، الركيزة الأساسية لهذا المسار. وتقتصر ابتكارات RWA على المسار الثاني، وفقًا للمسار الذي تحدده «الإرشادات».
من منظور عالمي، يختلف مسار التنظيم في الصين عن مسارات الدول الكبرى مثل الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، التي تسعى إلى دمج الأصول المشفرة ضمن الأطر التنظيمية الحالية للأوراق المالية أو السلع. اختارت الصين نموذج «السيادة أولاً، وعزل المخاطر، والتجربة التجريبية»، وهو نهج فريد يهدف إلى حماية الاستقرار المالي، والسيادة النقدية، وأمن البيانات، والسيطرة على التدفقات العابرة للحدود. هذا الاختيار يعني أن سوق الأصول الرقمية قد يتجزأ أكثر، مع وجود معايير تقنية، وفئات أصول، وهياكل مستثمرين مختلفة بين المناطق. خيار الصين يوفر نموذجًا تنظيميًا بديلًا للدول النامية التي تركز على السيادة المالية والرقابة.
خامساً، التأثيرات العميقة والتطلعات المستقبلية: إعادة تعريف الخطوط الحمراء والمسارات
ختامًا، فإن مجموعة السياسات التي أُصدرت في بداية 2026 لها تأثيرات عميقة ومعقدة. بالنسبة للمشاركين في السوق، فهي بمثابة إشارة «نهائية للتصفية». لم يعد هناك مجال لأي أنشطة تجارية مرتبطة بالعملات الافتراضية أو الأصول الرقمية غير المرخصة، ويواجه الأفراد المشاركون مخاطر قانونية وممتلكات عالية. لم تعد هناك فرصة لسياسة «العودة إلى التيسير». الفرصة الحقيقية تكمن في مسار واحد: التخلي تمامًا عن التفكير المضارب القصير الأمد، وفهم الأهداف الاستراتيجية الوطنية، والعمل على الابتكار التكنولوجي والنماذج بشكل طويل الأمد، مع التركيز على خدمة الاقتصاد الحقيقي، والامتثال لسياسات إدارة رأس المال العابرة للحدود، والاستناد إلى مسارات تقنية معتمدة رسميًا.
على المستوى الاستراتيجي الوطني، يُعد هذا النهج بمثابة «تطهير» استباقي للبنية التحتية المالية، و«تأسيس» لأسس قوية. فهو يزيل بشكل غير مسبوق الأعشاب الضارة التي قد تعيق استقرار النظام المالي، وتضر بسيادة العملة، وتثير مخاطر اجتماعية، ويهيئ الأرضية لـ«زرع» بنية تحتية مالية رقمية مستقلة وموثوقة. وأشدّ القرارات حظرًا غالبًا ما تكون مؤشرًا على استعداد دقيق. من المتوقع أن تركز جهود الصين المستقبلية في مجال التمويل عبر البلوكشين على مجالات مثل العملة الرقمية للبنك المركزي، ومنصات التمويل التجاري، والمعاملات الرقمية للأصول، بقيادة «الفرق الوطنية».
وفي النهاية، فإن هذه السياسات تعيد رسم الخطوط الحمراء التي لا يمكن تجاوزها في المنافسة المالية العالمية، وهي أمن الدولة، واستقرار النظام المالي، وسلامة أموال الشعب؛ كما تحدد مسارات يمكن استكشافها، وهي أن التقنية يجب أن تمكّن الاقتصاد الحقيقي، وأن الابتكار يجب أن يخضع للرقابة، وأن التنمية يجب أن تخدم الاستراتيجية. وتعلن أن الصين ستشكل مستقبلها المالي الرقمي وفقًا لوتيرتها ومنطقها الخاص، وأن هذا النموذج الجديد ليس مجرد ترقية تنظيمية، بل هو قرار استراتيجي عميق، ستستمر آثاره في الظهور لعقود قادمة.