بروفيسورز من كلية هاس للأعمال بجامعة كاليفورنيا بيركلي يتابعون 200 موظف في صناعة التكنولوجيا لمدة تسعة أشهر، ويكتشفون أن أدوات الذكاء الاصطناعي لم تقلل من عبء العمل، بل أدت إلى نمط عمل عالي الكثافة يُعرف بـ"التوازي متعدد الخيوط"، مع ارتفاع في الحمل الإدراكي ومخاطر الإرهاق.
(مقدمة سابقة: فك شفرة “x402”: إعادة بناء الثقة في الدفع في عصر الذكاء الاصطناعي، وسبيل الوصول إلى الكأس المقدسة للحضارة الآلية القادمة)
(معلومات إضافية: أهمية x402 في المدفوعات المستقرة)
فهرس المقال
إذا قرأت خلال العام الماضي أي مذكرة استثمارية في صناعة التكنولوجيا، فربما رأيت سردًا مشابهًا: أن الذكاء الاصطناعي سيعزز الإنتاجية بشكل كبير، بحيث يعمل الموظفون أقل ويحققون نتائج أكثر، مما يؤدي إلى ارتفاع هوامش أرباح الشركات، وأخيرًا يمكن للبشر أن يخصصوا وقتهم للعمل “الأكثر إبداعًا”.
هذا السرد يبدو جميلًا جدًا. لكن المشكلة… أنه قد يكون خاطئًا.
أجرى باحثان من كلية هاس للأعمال بجامعة كاليفورنيا بيركلي، أروانا رانغاناثان وشينقي ماجي يي، دراسة استمرت تسعة أشهر ونشرت في “مراجعة هارفارد للأعمال”. من أبريل إلى ديسمبر 2025، تتبعوا 200 موظف في شركة تكنولوجيا أمريكية، لمراقبة التغيرات في سلوكهم بعد إدخال أدوات الذكاء الاصطناعي في العمل اليومي.
النتيجة واضحة جدًا: الذكاء الاصطناعي لم يقلل من العمل، بل زاد منه.
وجد فريق البحث أن إدخال أدوات الذكاء الاصطناعي لم يقلل فعليًا من حجم المهام أو يقلل ساعات العمل. بل خلق نمط عمل جديد تمامًا — “التوازي متعدد الخيوط”.
بالتحديد: الموظفون يكتبون الشيفرة يدويًا بينما يستخدمون الذكاء الاصطناعي لإنشاء نسخ بديلة؛ ويشغلون عدة وكلاء ذكاء اصطناعي لمعالجة مهام مختلفة في آن واحد؛ بل ويعيدون استئناف مشاريع كانت متوقفة منذ زمن، بحجة أن “الذكاء الاصطناعي يمكنه المعالجة في الخلفية”.
ظاهريًا، هذا يُعد زيادة في الإنتاجية. عدد المشاريع التي يعمل عليها كل شخص زاد، وسرعة الإنجاز تسارعت. لكن الواقع الذي لاحظه الباحثون هو:
“تبديل التركيز باستمرار، التحقق المتكرر من نتائج الذكاء الاصطناعي، وزيادة المهام المعلقة. كل ذلك يخلق حملًا إدراكيًا، ويشعر وكأنك دائمًا في حالة juggling — أي التعامل مع العديد من الأمور في آن واحد — حتى وإن كان العمل يبدو منتجًا.”
بمعنى آخر، الموظفون فعلًا قاموا بعمل أكثر. لكنهم أيضًا تعبوا أكثر، وتعبًا من نوع “رغم أنني أبدو فعالًا، إلا أنني أخرج من العمل وأنا منهك”.
بيانات الدراسة من شركة داخلية، لكن خارج جدران الشركة، نفس النمط يحدث أيضًا.
مطور معروف، سايمون ويليسون، نقل الدراسة على مدونته الشخصية، وأكد أن تجربته تتطابق بشكل كبير مع نتائج البحث. كواحد من أكثر مستخدمي نماذج اللغة الكبيرة (LLMs) نشاطًا على مستوى العالم، يشارك ويليسون باستمرار سير عمله مع أدوات الذكاء الاصطناعي. وأشار إلى أنه يستطيع بالفعل إدارة مشروعين أو ثلاثة في وقت واحد، وأن حجم العمل الذي ينجزه يفوق ما كان يفعله سابقًا.
لكن الثمن هو: أنه ينفد من طاقته خلال ساعة أو ساعتين.
كما لاحظ أن زملاءه من المطورين يظهرون أنماطًا مشابهة: بعضهم يكتب “موجه واحد آخر فقط” ويظل يكتب حتى الساعة الثالثة صباحًا، مما يؤثر بشكل خطير على جودة نومه. ذلك الشعور لا يشبه العمل الإضافي، بل يشبه لعبة لا يمكن حفظ تقدمها — تعرف أنه يجب التوقف، لكن الجولة التالية مغرية جدًا.
عندما تتطابق تجارب الباحثين والممارسين في الميدان، فإن الأمر لا يعد حالة فردية، بل هو بنية أساسية.
أهم استنتاجات الفريق البحثي ليست في أن “الذكاء الاصطناعي يجعل الناس أكثر تعبًا”، بل في التشخيص: أن المؤسسات تفتقر إلى إطار تنظيمي واضح لاستخدام الذكاء الاصطناعي.
معظم الشركات عند إدخال أدوات الذكاء الاصطناعي، تفعل شيئًا واحدًا: تشتري التراخيص، تفتح حسابات، وتُرفق ملف PDF يوضح “أفضل الممارسات”، ثم تتوقع من الموظفين استكشاف الطرق المثلى للاستخدام. كأنك تضع محرك توربيني على دراجة، وتقول للسائق “اكتشف بنفسك كيف تستخدمه”.
نصيحة الباحثين: الشركات بحاجة إلى وضع إطار عمل رسمي لممارسات الذكاء الاصطناعي، يحدد بوضوح الحالات التي يُستخدم فيها، والحالات التي لا يُستخدم فيها، وكيفية التمييز بين “تحسين الكفاءة الحقيقي” و"استخدام المزيد من القوة في المكان الخطأ".
لنضع نتائج الدراسة في سياق أوسع.
على مدى العام الماضي، كان “تعزيز الإنتاجية عبر الذكاء الاصطناعي” أحد الركائز الأساسية لتقييمات شركات التكنولوجيا. من Nvidia إلى Microsoft، ومن OpenAI إلى الشركات الناشئة في مجال الوكلاء الذكي، كانت فرضية السوق أن الذكاء الاصطناعي سيرفع إنتاجية كل عامل معرفي من 2 إلى 10 أضعاف، بحيث يمكن للشركات إنجاز المزيد بأقل عدد من الموظفين، مع تحسين هوامش الربح بشكل هيكلي.
لكن إذا كانت نتائج بيركلي صحيحة، وإذا كانت الفعالية الحقيقية للذكاء الاصطناعي ليست “القيام بأقل” بل “القيام بالمزيد مع زيادة التعب”، فإن منطق التقييم هذا يحتاج إلى إعادة ضبط.
الزيادة في الإنتاجية وارتفاع ضغط العمل هما أمران مختلفان. الأول يقلل التكاليف ويزيد الأرباح؛ الثاني يرفع الإنتاجية على المدى القصير، لكنه قد يؤدي على المدى الطويل إلى الإرهاق، وزيادة معدلات التسرب، وانخفاض الجودة. إذا طبقنا نتائج بيركلي على نماذج تشغيل الشركات، فإن الذكاء الاصطناعي قد لا يرفع هوامش الربح، بل يعيد توزيع تكاليف الموارد البشرية: تكاليف تدريب أعلى، نفقات صحة نفسية مرتفعة، وتكاليف استبدال الموظفين.
بالطبع، هذا لا يعني أن الذكاء الاصطناعي بلا قيمة، فهو واضح أنه له قيمة. لكن قيمته قد لا تكون في “جعل الناس يعملون أقل”، بل في “جعل الناس يعملون بشكل مختلف”. و"الاختلاف" لا يعني بالضرورة أن يكون أسهل.
هذه الدراسة تحمل أيضًا رسالة غير مرئية غالبًا: فترة التكيف. أشار ويليسون عند إعادة نشر الدراسة إلى ذلك.
الأنظمة الحالية: كيف نوزع الانتباه، كيف نقيس الأداء، وكيف نحدد “كمية العمل اليومية”، كلها أُنشئت على مدى عقود. الانتشار السريع للذكاء الاصطناعي بين 2023 و2025 يفرض على اقتصاد المعرفة أن يعيد تعلم كيفية العمل خلال عامين فقط.
هذا التغيير لا يحدث تلقائيًا، بل يتطلب تصميم تنظيمي واعٍ، تحديث إدراك الإدارة، والأهم من ذلك: الاعتراف بأن “المزيد من الإنتاج” و"عمل أفضل" هما أمران مختلفان تمامًا.
وادي السيليكون يحب أن يصف المبرمجين المتميزين بـ"مهندس 10x"، أي أن إنتاجيتهم عشرة أضعاف. وادعاء الذكاء الاصطناعي هو أن يجعل كل شخص يصبح 10x. لكن الدراسة تقول: ربما ما نحصل عليه هو تعب 10x، وليس كفاءة 10x… ما رأيك؟